أفضل المقالات في الصحف العربية

12:01 مساءً EET

الأحساء السعودية ضد الإرهاب والطائفية

في ظل الصراعات الكبرى الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، تبدو المملكة العربية السعودية مستهدفة من جهات عدة تسعى لزعزعة أمنها، ونشر الفوضى في ربوعها، ودعم الإرهاب ومحاولات دق إسفين طائفي بين مكونات المجتمع السعودي الواحد.

إن حادثة الأحساء الإرهابية التي استهدفت مواطنين شيعة آمنين في دار من دور عبادتهم، كان المراد منها خلق الفوضى الداخلية اعتمادا على خلط متعمد للأوراق الوطنية، عبر ضرب الإرهاب بالطائفية لإحداث فتنة داخلية، وهو ما أفشله وعي قيادات وزارة الداخلية السعودية وأجهزتها.

لقد كان المصاب مشتركا لكل الوطن، فالمواطنون الشيعة والعسكر الذين قضوا في تأدية واجبهم كلهم رجال خسرهم الوطن، ولم تخسرهم طائفتهم أو فرقتهم العسكرية، ولم تكتفِ الداخلية بوأد الفتنة في مهدها، بل تنقل وزيرها الأمير محمد بن نايف بين أرجاء البلاد معزيا ذوي جنوده البواسل وضحايا الإرهاب، وقوّاته في الوقت ذاته تعتقل الإرهابيين في مخابئهم، وتلاحقهم حيثما وُجدوا، في زحام المدن أو في المناطق النائية، إن سرعة الاستجابة للحدث تشير لليقظة التامة والجهوزية الكاملة. جلس الأمير محمد بن نايف في الحسينية يقدم العزاء الواجب لذوي المفقودين، جراء العمل الإرهابي المدان، وهذا ليس غريبا إلا لدى من لا يعرف التاريخ السعودي، فقد كان عهد الملك عبد الله زاخرا بنشر ثقافة الحوار بين مختلف مكونات المجتمع السعودي، ودعم حقوق المواطنين الذين ينتمون للأقليات في البلاد، وهو نهج ثابت للقيادة السعودية منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز.

يذكر خير الدين الزركلي عن الملك عبد العزيز أنه لما جاءه مرة بعض المشايخ برسالة، في الرد على الشيعة، يريدون السماح بنشرها، أخذها منهم، ثم، في اليوم الآخر، «سلّمهم الرسالة، مليئة بالحذف والإثبات، بخطه وقلمه، وقال لهم: إنكم أصحاب دينٍ، ولستم أصحاب سياسة». وأكثر من هذا ينقل أمين الريحاني عن الملك عبد العزيز قوله له: «هذا الحسا، عندنا هناك أكثر من 30 ألفا من أهل الشيعة وهم يعيشون آمنين لا يتعرض لهم أحد. إلا أنا نسألهم ألا يكثروا من المظاهرات في احتفالاتهم».

ثمة قاعدة ثابتة لدى صانع القرار السعودي، وهي أن الإرهابي إرهابي بغض النظر عن مذهبه أو طائفته، وأن الضحية مواطن، بغض النظر عن توجهه الفكري أو قناعاته الشخصية. إنه باختصار منطق الدولة.

وفي مطلع الـتسعينات كانت مجموعة صغيرة من المواطنين الشيعة قد استوطنت إحدى العواصم الغربية، وقد تواصل معهم الملك فهد، وأعادهم للبلاد بكامل حقوقهم، وحفظ كرامتهم، ولم يمسسهم أحد بأذى.

المشكلة ليست في المواطنين، بل المشكلة في الإرهاب، وفيمن يسعى لتوظيفه أو توظيف الطائفية السياسية لضرب الوحدة الداخلية للسعودية ودول الخليج، وهو ما تقوم به بوعي وإصرار الجمهورية الإسلامية في إيران، والذين ينخرطون في الإرهاب أو التحريض الطائفي العنيف يقعون تحت طائلة القانون، لا فرق بين سني وشيعي إلا في مقدار الجرم وحكم المحكمة.

لقد سعت إيران مرارا وتكرارا لتجنيد عملاء خونة ضد أوطانهم، وبالذات في السعودية ودول الخليج، فلم تسلم منهم البحرين ولا الكويت عبر الخلايا الإرهابية، وعبر نشر الفوضى، وزرع الجواسيس، والأحداث قريبة يمكن أن يتذكرها الكثيرون، والسعودية ودول الخليج لن تخضع لأي ابتزازٍ من هذا القبيل، فالقانون فصلٌ بين الجميع، ومن يخالف النظام يتحمل العقوبة.

إن قوة التلاحم الذي ظهر في المجتمع السعودي بعد الحادثة هي أبلغ ردّ وأفصح جواب لكل من يسعى للتلاعب بالوحدة الوطنية، وقد جاءت المواقف موحدة ضد الجريمة من جميع أرجاء السعودية، ومن شتى الفئات، ومن جميع التوجهات، تعبر عن الوقوف الكامل مع ذوي الضحايا، وكانت مواقف تكتنز كل معاني الصدق والوطنية والتكاتف، وقد رد المواطنون المصابون من أهل الأحساء التحية بأحسن منها، وهم يرفعون صور ضباط الداخلية الذين قضوا نحبهم في حمايتهم فوق الرؤوس.

لا شك أن هذه الحادثة يجب أن تكون درسا بليغا لبعض المنغمسين في مناكفاتٍ صغيرة للدولة هنا وهناك، فحجم التآمر وكثافة الاستهداف يجعلان من الواجب التنبه لجمع الكلمة وتوحيد الصف.

ليس طبيعيا على طول التاريخ وعرض الجغرافيا أن تعيش الدول في مناطق شديدة الاضطراب وواسعة الصراعات وتعج بالفوضى والطائفية والإرهاب وتسلم من شظايا ذلك كله، وهو ما ينبه على حجم الجهد المبذول للمحافظة على استقرار الدولة ودرء الأخطار والمخاطر عن التسلل إلى داخل البلاد، وهو أمر لا يوجب العرفان فحسب، بل يوجب المشاركة والمساعدة في بسط هيبة الدولة وتعزيز استقرارها.

لم تترك إيران في جعبتها سهما إلا ورمت السعودية ودول الخليج به، ومن آخر ذلك أن تسلط إيران كل آلتها الإعلامية والقنوات التابعة لها وتصريحات بعض مسؤوليها لاستهداف السعودية، بسبب حكمٍ قضائي لم يستكمل بعد إجراءاته النظامية، حسب نظام القضاء السعودي، وهي أكثر بلدان المنطقة تلطخا بالدماء، وهي تقيم الإعدامات الميدانية من دون محاكمة لكل المعارضين لحكمها من جميع الأقليات الطائفية والمذهبية والعرقية، ثم تريد أن تعظ السعودية في حقوق الأقليات.

في صراعات السياسة كل شيءٍ يبدو مباحا، ولكن بعض الاتهامات لا يمكن وصفها بأقل من الوقاحة واستغفال المتلقي وتهييج الجاهل، وإلا فماذا تصنع إيران في الدولة العراقية العربية والشعب العراقي العربي؟ ولماذا تمعن في تقتيل الشعب العربي السوري؟ ولماذا تتوسع في قتل الشعب اليمني؟ إنها رهانات خاسرة أسكرت إيران فيها طموحات التوسع وأوهام النفوذ.

تجازف إيران كثيرا حين تخاطر بأمن الأقليات الشيعية في المنطقة، وتحرضها على العصيان، وتستقطب بعض العناصر الضعيفة والجاهلة منها، وهب أن الدول المستقرة كالسعودية ودول الخليج قادرة على فرض هيبة الدولة وبسط الأمن على ربوعها وحماية مواطنيها من أي تصرفاتٍ فردية إرهابية، لكن ما هو الشأن في دول الفوضى؟ ماذا سيكون مصير تلك الأقليات حين تنكسر إيران في سوريا على سبيل المثال؟ هل يتوقع أحد أن الحرب ستتوقف قبل أن تصل إلى الضاحية الجنوبية في بيروت؟ أو صعدة في اليمن؟

أخيرا، تبقى السعودية عصية على المتآمرين باستقرارها وهيبتها وبوحدتها الوطنية وتلاحم شعبها، وما حادثة الأحساء التي أوضحت مدى هذا التلاحم إلا مثال على انقلاب السحر على الساحر.

التعليقات