كتاب 11

01:01 مساءً EET

سوق العمل او إدمان

اليوم كل القضايا لحظية بسبب ثورة المعلوماتية فما يحدث في اي بقعة من بقاع العالم سيجد له صدى في مكاننا اخر، و ينطبق ذلك على كل قضايانا و مثالا على ذلك اعلان  المملكة العربية السعودية حملتها الوطنية لتصحيح وضع العمالة غير القانونية في ٢٠١٣ ، و التي قد  رصدت لها الكثير من الموارد و الوقت للتعريف بها و بأهدافها . و لم تكن السعودية الدولة الخليجية الاولى في ذلك ، حيث سبقتها الكويت بأعلانها إنقاص حجم العمالة الشرعية ب ١٠٠ الف  عامل سنويا لتصل الى هدفها في خفض العمالة بمقدار مليون خلال عشر سنوات ، مع رفع مستوى شروط الاستقدام ، و للإمارات العربية و البحرين برامج اخرى تصب في نفس الاتجاة من خلال التعامل مع العمالة السائبة  او الغير شرعية.

اجتماعيا و اقتصاديا نحن نعيش حالة إنكار عصبية لواقع الإدمان لدينا على تلك العمالة من خلال ثقافة ” من سيقوم بما يقوم به هؤلاء ” !!! و الجواب على ذلك بسيط ، فنحن من كان يقوم بكل شى يتعلق بنواحي حياتنا سابقا مثل باقي شعوب العالم بما في ذلك دور المرأة في عموم دولنا الخليجية قبل نكبة ما سمي بالصحوة ، حيث كانت جزء من المنظومة الاقتصادية في المجتمع قبل و بعد البترول .

في ثمانينات القرن الماضي كتب المرحوم د. غازي القصيبي كتابة ARABIAN ESSAYS تناول فية .

محاور عدة لو تم استدراك جلها لكنا الان في وضع اخر من ناحية فهم ماهية التنمية البشرية استراتيجيا . كذلك لم تألو مراكز البحث الخليجية من دق نواقيس الخطر مكررة التحذير تلو الاخر من قبل مختصين خليجيين هُم أعلام في مجال تخصصاتهم من مخاطر القنبلة الديمغرافية ، و لكن يبدو و للأسف ان حد الإدمان على تلك العمالة قد بلغ نقطة إلاعودة ، و دولنا بكل قطاعاتها الحكومي و الخاص مشترك فيها على حساب مستقبل الأجيال القادمة  .

اليوم نحن امام خيارات أحلاها مر ، و سيكون لكل منها عوارض الانسحاب الصعبة كأي برنامج تعافي من إدمان  حيث لا مفر من العض على الألم الان ، و ذلك لنتجنب العض على أصابع مستقبل الأجيال القادمة عبر المزيد من تجاهل هذا الواقع المشين في حقنا و حقهم . و اننا لو أردنا حقا تجاوز ذلك ، فأن اول شروط ذلك اعادة تقيم المفاهيم لدي صناع القرار في دول الخليج العربي سريعا لتلافي تلك الكارثة الديموغرافية مستقبلا لكونها المشرع الحقيقي لا المواطن . و قد نعتبر ان قرارات بعض الدول الخليجية في معالجة العمالة غير الشرعية او العمالة السائبة خطوة أولى على طريق إصلاح سوق العمل ، و التي قد تقود في الإسهام و لو قليلا في إعادة صياغة ثقافة جديدة لمكافحة حالة الإدمان على العمالة الرخيصة  .

للاستدلال اقدم احد الأمثلة التي ساقها المرحوم الدكتور غازي القصيبي حول التمريض حين قال بما معناه ” مع أهمية تنمية كوادر طبية وطنية في كافة التخصصات إلا اننا كدولة يجب ان نحدد اولويات الإنفاق لتحقيق التنمية ، فمثلا ما ينفق على كوادر التمريض يفوق أضعاف ما ينفق على الأطباء ، مما يستوجب تحديد الاولويات من حيث التكاليف ، و لو كان لي الان المفاضلة في الاستثمار النوعي لتحقيق التنمية المستدامة لأخترت الاستثمار في تدريب و تأهيل الكوادر الوطنية في مجال التمريض بكل فروعة  لأنه سوف  يسهم في توطين مهن و تخصصات لشباب سعودي ، و سيوفر في التكلفة ” .

و لتلك الثقافة تهديداتها السياسية المتتجاوز حتى على الاجتماعية  نتيجة ثقافة ادماننا على تلك العمالة الرخيصة . فمثلا عندما تقدمت منظمة العمل الدولية في ٢٠١٣ بشكوى للمفوضية العليا لحقوق الانسان ضد دولة قطر الشقيقة على خلفية تقارير عن سؤ أوضاع العمالة الوافدة و ارتفاع عدد الوفيات بين العمال النيباليين و الهنود ،  نتيجةً لما وصفته هي ” بالعمل القسري  او القهري و في ظروف إنسانية قاسية ” ، علية قامت المفوضية العليا لحقوق الانسان  بالتهديد باللجؤ الى مجلس الأمن لحل المسئلة نتيجة لتأصل مفهوم “لا مشكلة” و التي نفذت إلينا عبر الوسطاء و النخاسون الآسيويون “ما فيه مشكل انا يجيب نفر ثاني ، انتي تبي فلوس جيب فيزاء انا يجيب لك فلوس ” اي ( لا تحمل هم توريد المزيد من العمالة لتحقيق المال و لا تهتم باي امر )  اجل بالنسبة لذلك النوع من البشر فأن المخزون البشري في شبه القارة الهندية و محيطها لن يتأثر بموت عدة مئات من البشر ، و هؤلاء الوسطاء الداعمين لثقافة ازدراء كل ما هو إنساني قد اسهم في حالة ليست خليجية فقط إنما عربية و عالمية.

قطر لم تكن حالة خاصة خليجيا فكلنا يعرف حجم اللغط حول مراجعة ملفات الحقوق الانسانية او العمالية خليجيا و عربيا  ، لذلك يتوجب علينا الان إيجاد معالجات تستند الى رؤى صحيحة و شجاعة في الاعتراف بالأخطاء ، لأنه من الخطأ الإستكانه  لذلك الحال ، و ان ندرك ان هناك دائماً من سوف يتصيد الأخطاء ، و اخرون يجتهدون  ليكونوا موضوعين ،  لذلك يتوجب علينا الإصلاح فورا لنخرج من دائرة الاجتهادات في التفريق بين الناصح الصدوق او غير ذلك.

لكم ان تتصوروا و لو للحظة صدور قراراً من مجلس الأمن ضد احدى الدول الخليجية حول وضع العمالة فيها ، كيف سيكون موقفنا من ذلك القرار او نتائج ذلك القرار علينا مجتمعين !! ان من يعتقد ان دولا خليجية لن تستهدف عبر هذة الملفات لهو واهم . أضف الى ذلك انه لم يعد بالإمكان التغاضي عن حق بناتنا و شبابنا بالاضطلاع بدورهم الطبيعي في تنمية أوطانهم او تحقيق ذواتهم مقبولا اخلاقيا او سياسيا . ان طريق تحقيق الرفاه و السعادة  سيكون طويلا جدا لذلك  يتوجب علينا الان مراجعة الكثير من المفاهيم و أولها مفهوم الأجور بربطها بعملية الانتاج و شطب مفهوم ثقافة الراتب السقيمة.

في الجانب الاجتماعي و التنموي أترككم مع اجابة هذا الطفل على السؤال التالي :

من هو اكثر إنسان يهتم بك و يقدم لك اغلب ما تريد ؟

رد الطفل : العامل لدينا و أمثاله ، هو يوصلني للمدرسة و يجلب لي ما اريد ، و من هم من جاليته ينظف الشوارع و الحدائق ، و يبني البيوت و يحرس المدارس ، انهم يعملون كل شى ، كل شى لنا !!!!   

ذلك هو انطباع طفل ، و ان لم نصحو سريع و نثوب الى رشدنا فأن ذلك الطفل سيغدو بلا وطن.

التعليقات