كتاب 11

01:11 مساءً EET

كُلنا مُعاذ الكساسبة!

لا حديث فى المنطقة حولنا هذه الأيام إلا عن الطيار الأردنى الذى قاد طائرته المقاتلة، ضمن حملة على تنظيم داعش الإرهابى، شمال شرق سوريا، فسقطت الطائرة، وهى من طراز إف 16، ووقع هو أسيراً!

تتأمل أنت صورة للطيار بعد وقوعه أسيراً، بين عدد من أعضاء ذلك التنظيم، فتشعر وكأنك أمام كائن وديع قذف به حظه الأنكد، وسط مجموعة من الوحوش الذين لا علاقة لهم بالعصر الذى نعيش فيه!

ثم تتأمل، على نحو آخر، ما يُقال عن أن الطائرة سقطت بصاروخ أرض ــ جو، فتسأل نفسك عمن وضع مثل هذا الصاروخ، أو عمن هيأه لأعضاء تنظيم، المفروض أنهم مطاردون فى الجبال، وأنهم بالكاد يجدون ماء يشربونه!.. تنظيم لم يظهر فى غرب العراق وشرق سوريا إلا منذ عدة أشهر معدودة على أصابع اليدين، ومع ذلك فإنه يمتلك صاروخاً يستطيع به إسقاط طائرة إف 16؟!

من يموّل هذا التنظيم؟!.. ومن يضع السلاح المتطور بين يديه؟!.. ومن فى الأصل أنشأه؟!.. ولماذا لم ينشأ ويظهر بهذه الصورة التى يتم تضخيمها فى الإعلام إلا بعد سقوط مشروع الإخوان بشكل خاص فى مصر، وسقوط مشروع الإسلام السياسى بشكل عام فى المنطقة؟!.. هل هو إذن البديل عن ذلك المشروع فى حالتيه؟!

الحقيقة أن كون التنظيم هو بديل الإخوان، ومشروعهم، يبدو كلاماً منطقياً ووجيهاً، لأنه إذا كان «داعش» يجتذب الآن كل المتطرفين والمتخلفين إليه، فقد كان هذا بالضبط هو الهدف من وجود مشروع للإخوان عندنا، أو عند أى من جيراننا فى الدول العربية!

كان هذا هو القصد والهدف، ولم يكن هناك قصد ولا هدف سواهما، لأنه بصورة من الصور استطاع الإخوان أن يقنعوا الأمريكان، ومعهم الغرب عموماً، بأن الفكر الإخوانى إنما هو فكر معتدل، وأن هذا الفكر المعتدل قادر خصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 الشهيرة، على جذب أصحاب الفكر المتطرف واحتوائهم، بعيداً عن دول الغرب، وعن عواصمه، وبعيداً عن الولايات المتحدة، وعن عاصمتها، فلما سقط الإخوان سقوطهم المخزى، ولما انكشفوا، وانكشفت المخططات التى كانت من ورائهم، كان لابد من بديل، ولو مؤقتاً، وكان هذا البديل هو «داعش» ولا شىء غيره!

وإلا.. فإن علينا أن نسأل أنفسنا عدة أسئلة أخرى، منها مثلاً: أين كان أبوبكر البغدادى، زعيم هذا التنظيم، فى الفترة من 2005 إلى 2009؟!.. الإجابة تقول إنه كان موجودا فى سجن بوكا، فى مدينة الكرمة جنوب العراق.. وبمعرفة من؟!.. بمعرفة وعلم الأمريكان بشكل مباشر!!.. ثم سؤال آخر: من الذى أفرج عنه فى 2009؟! الجواب أنه خرج بموافقة ومباركة من الأمريكان فى العراق؟!.. سؤال ثالث: ما علاقته قبل خروجه وبعده بالأمريكان، إلى أن ظهر بتنظيمه البائس؟!.. وهكذا.. وهكذا.. لعلنا ونحن نتابع أخبار مثل هذ التنظيم نكون منتبهين جيداً إلى حقيقة وطبيعة الأرضية التى نبت فيها، ولماذا نبت هنا تحديداً، ثم لماذا فى هذا التوقيت، توقيت ظهوره بالذات؟!

صحيح أنه قيل، ضمن كلام غير مؤكد، إن الطائرة سقطت بسبب عطل فنى، ليس بصاروخ داعشى، ولكنها فرصة لنحاول أن نعرف رأس هذا التنظيم من قدميه، ولا ننخدع بكلام أمريكى كثير يقال عن أن الولايات المتحدة ضده، وأنها تقاومه بجد، فالمقدمات، كما قيل فى علم المنطق، لابد أن تتسق مع نتائجها، وفى حالة داعش، فإنه لا علاقة من أى نوع، بين مقدمات أدت إلى نشأته، وكلام أمريكى لا يقال إلا لمجانين عن مطاردته على يد منشئيه أنفسهم!

بقى أن نعرف أن الطيار اسمه معاذ الكساسبة، وأن قائد سلاح الجو الأردنى قد أبلغ أباه، فى لحظة وقوعه أسيراً، أن ابنه قد حدث له كذا، وأن الدولة الأردنية بكل أجهزتها، وعلى رأسها الملك عبدالله الثانى شخصياً، مهتمة باستعادته سالماً بأى ثمن.

صافى الكساسبة، والد الطيار، راح يناشد متخلفى داعش أن يراعوا الله ورسوله فى ابنه، ولابد أن الوالد المسكين لا يعرف أنهم لا علاقة لهم بالله تعالى، ولا برسوله الكريم، وأن لهم علاقة وحيدة بالدولة التى أنشأت التنظيم، فى الأصل، وترعاه، وتموله، على العكس تماماً مما تقول عنه لنا!

التعليقات