آراء حرة

07:50 مساءً EET

محمد رفعت الدومي يكتب: بهجة غرابة

مرةً كلَّ عام، تترك الخالة “بهجة غرابة” باب بيتها في الجيب الشرقيِّ من الدومة مشرعاً وتأتي إلي ساحة بيتنا في وقتٍ مبكِّر جداً من النهار حتي أنه متأخرٌ جداً من الليل، رحلة موسمية انهار بموتها جمالُ طقوسها بتصرفاتٍ مرتفعة!



كانت أمي التي تتوقع بالتجربة ريقها المسائيَّ تستيقظ مبكراً لتعدَّ لها
الإفطار عن طيب خاطر..


بمجرد أن يحتدَّ نباح الكلاب الصيفيُّ، وتبدو واضحةً ارتطامات أقدامها
القصيرة بأعواد الذرة، تنادي من داخل بيتنا بصوت ركيك:


خالة بهجة!


وسرعان ما يعلن صوتها الخائف تحققها، تفتح الباب أمي لتختبئ الخالة بمأمن
خلف باب بيتنا حتي يتمَّ الضوء دوائره!


كنت أعرف أنَّ أبي لابد أرسل لها في العشية الفائتة رسولاً يخبرها بأن
مظانَّ الذرة من مساحات أرضنا قد أتمت عطائها، وأنَّ جِِمالنا قد نقلت
أعوادها إلي ساحة بيتنا، وأنَّ عليها الحضور لمساعدتنا في تحرير الكيزان
من أغلفتها الجافة بدرجات متفاوتة!


كنتُ أدرك أيضاً، أنها كانت تدرك حتمًا موعد طقسنا الحوليِّ غير أن
بروتوكول الاستدعاء جزء أساسيٌّ من معادلة الرحلة الموسمية!


كانت هي تميمة ذلك الطقس التي أمَّنت له الصمود أمام اكتفاء الكثير من
بيوتنا، تعقيباً علي سفر الكثيرين من رجالنا إلي دول النفط، وارتفاعها عن
الحاجة عن سلةٍ ممتلئةٍ من كيزان الذرة يعودون بها بعد يوم مرهق من
العمل، لذلك، كان أبي يضبط موعد التقشير علي احتمال مجيئها من عدمه،
ربما، لأن الكثيرين كانوا يأتون فقط للتمتع بما تجيد هي العثور عليه من
المضحكات في الظلال السهلة، هو لا يسلم تماماً من التكرار الموسميِّ، هذا
صحيح، لكنه كان يكتسب بما تضيف إليه هي من شخصيتها المتجددة كلَّ مرةٍ
نقاطاً إضافيةً في مقاييس القلوب المفعمة بآلام الفقد وآلام الشوق إلي من
ابتلعهم يقين الاغتراب للسكينة القليلة، القليلة!


ما إن ينتظم عقدُ المقشِّرين والمقشرات حتي تزداد النظرات إلي هدوءها
الصناعيِّ استنكاراً، فجأة، تتصيد لحظة تختارها هي بعناية، تتواكبُ عادة
مع تكدس أعواد الذرة المخلاة بجوار المقشرين بما يتَّسع للولد “عصام
والعم “خيري أبو همام” والعم “عدلي بظيو” أن يبدأوا العمل المنوط بهم ،
وينقلوها في حزم ٍعلي سلم من الخشب إلي سطح بيتنا، وتصيح بصوتٍ مرتفع:

وعايزلو فتلت صوف!


علي الفور، أمسك بالملل يتبدد، وبالوجوه تنبسط، وبأعواد الذرة تهتز في
الأيدي المرتجفة بفعل استحواذ الضحكات المحتجزة!


ثمّ، كأنما انهار تمامًا وعيها واختلطت في ذهنها الحقائق بالأوهام، تردد
كالمجنونة، وبصوت منغم، كلماتٍ احتفظ بها ذهنها من مسلسل قديم، أكاد
أتذكر أنها كلمات في إطار شخصية جسَّدها الفنان “علي الغندور“:


ياسيدي دفتر وكراسة ، يا سيدي دفتر وكراسة!


يحتد إيقاع الضحكات، وتردد هي نفس الكلمات بإيقاع مختلف:


يا سي دي ، دااا فتر ، وي كوراسة داا فتر ، يا سي دي!


يشتعل الهواء مكاناً أفضل للعيش، فتضع يدها مفتوحة ومنحرفة خلف أذنها
تمامًا كالمقرئين وتصيح:


البت قالت لابوها ولا اختشت منِّيه..


يبايا توب الحيا بان، والنهد بان، منِّيه!


يسري الجنون من نفس إلي نفس، ويتوقف العم “خيري أبو همام” عن العمل فجأة ويصيح:


يبي يبي يبي يبي!


وتستأنف هي جنونها المدبر:


يبايا زرعك الوخري طاب ، لمّو


يتوقف الولد “عصام” عن العمل فجأة، ويمسك سريعاً بطرف الموال:


لاحسن عيال الأواهر، يقطفوا وردو، ويعوِّلوك، همّووو ، يا بووووي!


تشاركهم الضحكات العصبية الجنون، يتوقف البعض عن العمل تماماً، بينما
يظلُّ العم “عدلي بظيو” داخل اتزانه المزمن، وتتباكي الخالة بهجة فجاة،
وتصيح كالنادبات:


وزرعنا الحنة، وكترت لحزانيييي، إهه إهه إهه ، وووووووووووه!


يقتحم الولد”عصام أبو قنين” سريعاً حالتها، ويصيح:


كان بدري عليك يا قنيَّان، سيَّبتني لمين يبايه ، يا بووووووووي!


تنفجر الضحكات كأنها عزف الرياح المذعورة، وتفلت من جدتي خيوط السيطرة
علي تماسك العمل، فتضطر، دفعاً للانهيار إلي التدخل، في لهجة تزيف الغضب،
تصيح:


يا بهجة ، خليكي فـ حالك أحسنلك، وخلّي الأنفار يشتغلوا!


تزداد العيون المتربصة تطلعاً، لقد كان يطربون لأيِّ سخرية تطال جدتي،
كانت العضلة العصية التي تدرأ الطامعين عن أشياءنا، ولا تخيب الخالة
بهجة” عادةً أملهم، فتنظر إلي جدتي في ازدراء مدبر وتصيح في تهكم:


ها ها هأ، ها ها هأ، مين؟ “نورا”؟، يا سيدي “نورا”، يا عيني “نورا،

والعفشة “نورا” ، عايزالها فتلت صوف!


وأري الأعواد ترتجف في عصبية مع إيقاع الكلمات، أو اللكمات اللفظية في
الحقيقة، وأري الولد “عصام” ممسكاً بعود من الذرة، رفعه بإحدي يديه إلي
أعلي وانخرط في فاصل من الرقص..


أري، أيضًا، جدتي تخبئ ضحكاتها في جيب طرحتها، وبعينين دامعتين، وبصوت
مكدس بالضحكات تصيح بي:


يا واد روح عيِّط أبوك!


لا أذهب، ولا ينهار السامر، كانت تعرف، وكنت أعرف، أن أبي ، حتي لا يقمع
حرية هؤلاء المتعبين، يفضل في ذلك اليوم مراقبة الطقس بكلِّ جوارحه من
أعماق البيت، يشاركنا ضحكاتنا أيضاً، ويبارك جنون الخالة بهجة والآخرين!


كنت أعرف أيضًا أنه سوف يجئ بمجرد أن ينتهي العمل من تلقائه ليوزع أجور
كل هؤلاء كيزانًا من الذرة، وهو، سوف يخص الخالة بهجة بكرم ٍ إضافيٍّ،
وإيماءةٍ ضروريةٍ، لتستمرَّ الرحلة..


وأنا أستعيد الآن حداثة تلك الصور يدهشني كثيراً أنني كنت أبكي بعيون
حقيقية إذا لم يعاملني أبي كالغرباء، فلا يعطيني أجري من الذرة، يدهشني
أيضاً تلك السعادة الممتلئة التي كانت تستحوذ عليَّ عندما كان يفصح عن
كرمه معي فيعطيني أكثر من حقي!


أنتبه الآن، الآن فقط، إلي أنه كان يخدعني بتظاهره بالإسراف في الكرم
حيالي، لقد كان يعرف بالتأكيد الزائد عن الحد أنني، عما قليل، بعد أن
أعرض ممتلكاتي الخاصة من الذرة علي أمي والصبيان، سوف أتسلق السلم
الخشبيَّ، وسوف أجد سطح بيتنا قد أصبح جزيرة حقيقية من الذهب الأبيض،
مسورة بأعواد الذرة الخضراء الفارغة من الكيزان، ولسوف ألقي بممتلكاتي
الخاصة بين ممتلكاته!


أعتقد أنَّ لموت الخالة “بهجة” نبضٌ أكيد في انهيار ذلك الطقس، أو بدقةٍ
أكثر، انهيار جماله، فإنَّ الطقس لا يزال قائماً، لكنه يتم بآليةٍ ركيكة،
مجرد عمل!


لا أدري هل إحساس الطفل بجمال الأشياء تعقيبٌ علي إسقاطات نفسه البسيطة
أم أنَّ الندرة طالت الجمال فعلاً، وأن السعادة للطفولة فقط!


ياحقول الذرة؛ يا ماضي أبي المجيد!

 

التعليقات