آراء حرة

08:21 مساءً EET

محمد حمادى يكتب:جمال الغيطانى..شاب عاش الف عام

” الله خلقنى كاتبا ، عدا ذلك مكملات ” هذه المقولة من اقوال الاديب الكبير الراحل جمال الغيطانى ، الذى رحل عنا ونحن فى امس واشد الحاجة لمثله من الادباء والكتاب والمفكرين واصحاب الرؤى المستنيرة ، وان كان مثل هؤلاء يعد على الاصابع ، فمن النادر ان نرى قيمة وقامة عربية وعالمية مثل اديبنا الراحل جمال الغيطانى .

اريد ان اسلط الضوء على بعض ملامح اديبنا الكبير ، الذى اسرى الحياة الفكرية والادبية والثقافية والتاريخية ، لنجعلها لنا نبراسا ونورا يضيئان لنا طريقنا الذى اشتد به ظلام الفكر واختلط العاطل بالباطل واصبحنا الان نتخبط ونترنح فى غياهب ظلمات الجهل والفكر :
 
بين التاسع من مايو 1945 ، والثامن عشر من اكتوبر 2015  ملامح وعلامات بارزة فى حياة الغيطانى من اهمها يوم تقلد وسام جوقة الشرف الفرنسى العام الماضى ، ويقف الحكاء الجنوبى على اعتاب عامه السبعين حاملا كتفيه طفولة خضراء فى مرابع مركز جهينة السوهاجية ودراسة متوسطة لم تسعفه الظروف الاسرية والحياتية لاستكمالها كاغلب المبدعين من ابناء جيله ، ابناء جيل السيتينات ، والى جوارهما يحمل تاريخا مهنيا عتقته مشاوير وتجليات ” صاحبة الجلالة ” بدءا من العمل كمراسل حربى على الاعوام الستة الصعبة ما بين النكسة والنصر ، ووصولا الى تاسيس ورئاسة تحرير جريدة ” اخبار الادب ” المطبوع المتخصص والاول من نوعه فى مصر والمنطقة العربية الذى مثل حلما وابنا بكرا من ابناء الغيطانى ، وظل قائما وقيما عليه طيلة سبعة عشر عاما تقريبا .
 
وبين التجلى الاول فى فضاء الحياة، والتجلى الاحدث فى فضاء الابداع والتكريم ، مسيرة من الانجاز الابداعى والثقافى ، اتصلت بالعام والمؤسسى والتنفيذى كاقصى ما يكون الانفصال ، وانفصلت عنهم كاقصى ما يكون الاتصال ، فظل الميزان متزنا ومعايرا للخطوة والبوصلة الثقافية والقيمية للوزان ، دون ان يفتئت على الواقع او ينغمس فى تشوهه وتعقيداته ، فكان الناقد الفاعل والمقوم لعوار المؤسسة فى ارساء وتدشين خطى ثقافية يراها مفيدة ودافعة وحافزة للمتلقين والمبدعين ، بين مؤتمرات ورحلات خارجية وسلاسل نشر ولجان ادبية تتبع وزارة الثقافة والمجلس الاعلى للثقافة .
 
الكتابة الخاصة والاستثنائية تلك التى فتح بها الغيطانى مساره السردى والروائى الجديد منذ مفتتح عمله الاول ” اوراق شاب عاش منذ الف عام ” مرورا بمنجزه الروائى المتميز فى الفضاءات السردية العربية مثل : (الزينى بركات ، حارة الزعفرانى ، التجليات ،  ) بالاضافة الى نصوصه المتفردة حول المدينة الاثيرة القاهرة المحروسة واسرارها فى التاريخ ، ومكنوناتها فى البشر وحركة الحياة والمعمار وموسيقاه التى تنساب عندما يقترب منه العشاق المتيمون بسيمفونيات الحجر ومتتالياته وبنياته وتشكيلاته ، وبالفعل المعمارى وجماليات الايادى الخشنة التى تبدع جمالها وروحها الوثابة المتحضرة فى عملية البناء .. كتابة ملهوفة دائما بالانسان المصرى وعمق اعماقة فيما وراء التاريخ المكتوب وما بعده ، وتحاول ان تستنطق عبقريته فى الزمان ، وفى البناء .
كتابات الغيطانى ولغته جاءت من الابحار فى لغة الحجر والعمارة ومن الموسيقى الطالعة من احجار المعابد القديمة ، ومن التماثيل والايقونات ، وقلايات الرهبان فى الاديرة المصرية ، ومن حوائط المساجد العريقة وجماليات منابرها الخشبية ومقرنصاتها وقبابها ، ومن توزيعات النور والظل فى تشكيلاتها ، ومن فضاءاتها الداخلية ، وموسيقى الاذان ، وقراءات القران الكريم وتلاواته على تعددها ، وتنوع اصوات كبار الكبار من المقرئين الذين حملوا فى اصواتهم العذبة الجميلة ، حلاوة المقدس وتجليه فى النص رفيع المكانة والمقام ، لغة طالعة من انشاد المنشدين ، وتضرع الباحثين والطالبين للمغفرة وحسن الثواب .
 
ايضا من العلامات الفارقة قى حياة الغيطانى والده الروحى الاديب العالمى نجيب محفوظ حيث كانت تجمعهما صداقة قوية منذ عام 1959 وصلت الى الحد الذى جعل كل منهما مستودعا لسر الاخر لكن كل ذلك على المستوى الانسانى ، اما على المستوى الفنى فاختلف معه تماما لان مشروع نجيب محفوظ كان يعتمد على كتابة الرواية على نهج الرواية الغربية ، اما مشروع الغيطانى الادبى فهو قائم على اعادة الرواية العربية الى اصلها القديم .
 
هكذا رحل اديبنا الكبير عن عالمنا بجسده ، ولكن اعماله وتجلياته ورواياته الممزوجة بعبق التاريخ وشوارع القاهرة العتيقة باقية وخالدة الى ابد الدهر .

التعليقات