كتاب 11

02:45 مساءً EET

قراءة أولية في القرارات السعودية

قرارات مجلس الوزراء السعودي الصادرة يوم أمس الأثنين 26 سبتمبر 2016 والتي تقدم بها وزير الخدمة المدنية لكي: تمنع، وتلغي، وتعدل، وتوقف، وتخفض علاوات وبدلات ومكافأت ومزايا مالية لموظفي الحكومة، جاءت متوقعة. كما كانت ردود الأفعال الأولية متوقعة أيضاً، فالقاعدة البشرية “مُس قلبي ولا تمس رغيفي”. المثير، أن كثير من الأراء دب فيها التحوّل شيئا فشيئا نحو العقلانية وبدأت تدرك بالأرقام أن قرارات الخدمة المدنية التي تبنتها الحكومة يمكن هضمها. وبالرغم من بعض الإقتراحات التي جادل بها البعض حول ما يجب ولا يجب عمله حول ترشيد الإنفاق أو شد الأحزمة، إلا أن المجتمع أظهر قوة في التماسك بدافع الوطنية كما أظهر وعي بدرجة عالية تجاه الظروف الداخلية والخارجية التي تعيشها السعودية، وبدا واضحاً أن ثقة الشعب بولاة الأمر كانت عالية وكبيرة، إذ يرى كثيرون أنه لم يكن من الممكن أن تمر تلك القرارات لولا أن الحكومة مضطرة لمثل هذه الإجراءات.

 

رأت شريحة من المجتمع أن كلفة الرواتب والمميزات الحكومي في الموازنة العامة للدولة على مر السنين كان بحاجة ماسة لإعادة النظر منذ وقت طويل بصرف النظر عن الحالة الإقتصادية وإنخفاض مداخيل الدولة. وهذه الشريحة تجادل بأن إصدار هذه القرارات في هذا التوقيت هو أكثر إقناعاً للفئة المتوسطة والمتدنية من الموظفين، إذ بإمكانهم إستشعار الظروف الطارئة التي تعيشها السعودية، وسيكونون من أكثر فئات الشعب تضامناً وتقبلاً لقرارات الحكومة. وتأمل هذه الشريحة أن يجتهد الوزراء في تحقيق شيء من الإنضباط في عدم التحايل عليها في تعويض الفاقد من الدخل الشهري لبعض الموظفين بوسائل وحيّل إدارية قديمة، مما يخلق عدم مساواة بين الموظفين.

 

رأى البعض أن إصدار القرارات له جانب سياسي يتعلق بأسعار النفط وكمية الإنتاج بالتزامن مع مؤتمر أوبك التمهيدي لمحاولة إقناع إيران التي تتمنع وتتهرب من ضبط إنتاجها وتجميده لتحسين الأسعار. تفعل إيران هذا نكاية بالسعودية، فكثير من الخبراء يرون أن إيران وصلت إلى ما كانت تطالب به وهو الوصول إلى سقف الإنتاج قبل العقوبات وقد وصل إنتاجها مؤخراً إلى قرابة (4) ملايين برميل يومياً، لكنها مماحكة إيران السياسية التي تزيد من عنادها بالرغم من تقديم السعودية تنازل بتجميد إنتاجها حسب مستويات شهر يناير الماضي. ولذا فإن القرارات الأخيرة مطلوبة لإرسال رسالة سياسية لإيران التي تظن أنه يمكن إبتزاز السعودية بحجة أن الشعب السعودي لن يتحمل المساس بنقص دخله.

 

هناك من يرى أن القرارات الجديدة يضاف إليها الرسوم وربما الضرائب في المستقبل ستعيد الفرد السعودي إلى عقلانية أكبر وترشيد أكثر في إدارة مصروفاته. كما تعطي تلك القرارات جرعة من الجدية والدفع نحو جودة الأداء للموظف المتميز المنتج مما ينعكس إيجاباً على الأداء الحكومي. إذ أن الأسلوب القديم، حسب ما يراه البعض، محفز على الفساد الإداري ويوحي لبعض الموظفين بكثير من الإستهتار وأن المال العام “سائب” ويمكن إستغلال الثغرات القانونية للإستفادة منه عبر التحايل والمحسوبية، فالمثل الشعبي يقول “المال السائب يعلم السرقة”. ويتوقع كثيرون أن وزارة الخدمة المدنية ستخلق حوافز مالية وإدارية جديدة تقول للجيد أحسنت، وللمسيء أسأت. وهذا ما كان يطالب به الجميع لرفع جودة الأداء الحكومي.

 

شريحة كبيرة من المجتمع كانوا يتوقعون مثل هذه القرارات وأكثر دعماً مالياً للحكومة ودعماً مالياً للجنود المرابطين على الحد الجنوبي. الحرب في اليمن خيار مفروض على السعودية لم تكن ترجوه أو تتمناه لكن كما يقول المثل “وماحيلة المضطر إلا ركوبها”. لم يكن من العقل والحكمة أن تقبل السعودية بقلاقل وفتن في اليمن الشقيق الذي يدخل ضمن المصالح الإستراتيجية السعودية. فقد إنزلق اليمن خلال عشر سنوات مضت إلى مستوى “الدولة الفاشلة” حسب تقارير الأمم المتحدة وبات بؤرة تجتذب المنظمات الإرهابية وعلى رأسهم “القاعدة” وكانت السعودية ترقب بعين الحذر، حتى جاء الربيع العربي وثار شعب اليمن، ومنذ ذلك التاريخ والسعودية تحاول حل وحلحلة الأمور بعيد عن القوة الصلبة. ولذا فإن تخفيض ميزانية الرواتب هو المشاركة الشعبية في المجهود الحربي لقواتنا المسلحة كنوع من التضامن والتكاتف بين المجتمع والحكومة.

 

تشكل الإضطرابات الإقليمية في دائرة كاملة تحيط بالسعودية جرس إنذار للحكومة لإتخاذ الإجراءات المناسبة لضمان أمرين: (1) الإستمرار في سياسة خارجية لا تخضع للإبتزاز أو التهديد بحجة عدم قدرة المجتمع السعودي على التقشف وقبول شيء من شظف العيش؛ (2) الإستدامة في التنمية الداخلية ولو بوتيرة أقل وحجم أصغر حسب المثل الغربي “بتأني ولكن بجدية” Slowly But Surely ، وتأمل الحكومة السعودية في خلق توازن بين المحورين الخارجي والداخلي. صحيح أن ذلك صعب، لكنه بالتأكيد غير مستحيل. فكل المؤشرات تدل على أن الوضع في الداخل مستقر والإجراءات اللازمة لإنسيابية الحياة اليومية للمواطن والمقيم والموظف ورجل الأعمال مستمرة من دون تنغيص.

 

أخيراً، أثبتت السعودية على مدى عقود أنها دولة قوية بالله سبحانه، ثم بالتكاتف بين الشعب والقيادة. التحوّل السريع في أراء المجتمع إلى العقلانية كردود أفعال لقرارات تمس دخل الفرد، هو مؤشر قوي ودليل ملموس لقوة هذا الشعب ووعيه بما يدور حوله ووقوفه مع قيادته ضد الأمواج العاتية والرياح السياسية التي تريد بالسعودية شراً مستطيراً. نجزم بأن ولاة الأمر يدركون قوة ووفاء هذا الشعب، ونجزم بأن الشعب السعودي متفائل بغد مشرق ومستقبل أفضل، ولو كره الحاقدون والمتربصون. حفظ الله الوطن.

 

كاتب سعودي
[email protected]@hotmail.com
@Saudianalyst

التعليقات