عرب وعالم

08:27 صباحًا EET

جلسة تاريخية لمجلسى الدولة والشورى فى سلطنة عُمان

تستعد سلطنة عُمان للاحتفال فى 23 يوليو المقبل بيوم النهضة العمانية الذى يشهد فى كل عام لحظة بدء سنة جديدة منذ تولى السلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان مقاليد الحكم.

ومنذ فجر ذلك الصباح في  مطلع عقد السبعينيات من القرن الماضى توالت انجازات أهم مراحل التاريخ العمانى المعاصر .

كان فى مقدمتها إقامة دولة المؤسسات وتعميق ممارسة الشورى والمشاركة من خلال تطبيقات تتعلق بالحياة اليومية ويلمسها الإنسان العمانى فى واقعه

على سبيل المثال  تتابعت منذ أيام مشاهد حية تؤكد أن هذه الأهداف تحولت الى حقائق مؤكدة . فقد تم عقد جلسه تاريخيه لمجلس عمان الذي يتكون من جميع أعضاء مجلسى الدولة والشورى معا .

تقرر لأول مرة عقد هذه الجلسة المشتركة لمناقشة مشروع قانون حماية المستهلك بعد حدوث تباين ما بين أراء أعضاء المجلسين حول بعض مواده .

فى نهايتها تم التوافق بين أعضاء المجلسين على 6 مواد، فيما جرى التصويت على 5 مواد أخرى . وتم رفع مشروع القانون الى السلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان وفقا للنظام الأساسي للدولة، بعد أن أدت الحوارات العميقة والهادئة إلى تقريب وجهات النظر من اجل إعلاء الصالح العام للمجتمع أولا ، ثم للأغلبية من جمهور المستهلكين .

فى هذا الإطار توالى طرح العديد من التفسيرات القانونية والمبررات الاجتماعية خلال الجلسة التى ترأسها الدكتور يحيى بن محفوظ المنذرى رئيس مجلس الدولة. اتسمت المناقشات كلها بالحرص على التوصل إلى أصوب وأفضل الخيارات، فى ظل عدم التشبث برأي شخصى  أو التحيز لوجهة نظر بعينها ، مما انعكس ايجابيا على عدد المواد التي تم التوافق عليها دون الحاجة إلى التصويت عليها .

تم عقد الجلسة تنفيذا لأحكام النظام الأساسي للدولة الذى ينص على أنه فى حالة حدوث تعارض بين أراء المجلسين بشأن مشروع قانون ، فإنهما يجتمعان في جلسة مشتركة لمناقشة أوجه الاختلاف ، ثم التصويت على المشروع في ذات الجلسة، على أن تصدر القرارات بأغلبية الحاضرين.

على ضوء ذلك فإن اجتماع مجلس عمان، بجناحيه، بكامل أعضائهما، لبحث مشروع قانون حماية المستهلك بمثابة خطوة مهمة على طريق الاستمرار فى ترسيخ  ممارسة الشورى والديمقراطية ،لاسيما وأنه تميز بالشفافية والصراحة والحوار الموضوعي والبناء ، كما كان بمثابة تطبيق عملي وإجرائي أيضا للصلاحيات التشريعية والرقابية الموسعة التى يمارسها وفقا للتعديلات التى أضيفت على النظام الأساسي للدولة .

من هنا تعد هذه الممارسة الواعية والحكيمة تتويجا للسياسات التى يوجه بتنفيذها السلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان منذ مطلع عقد السبعينيات من القرن الماضى والتى استهدفت إقامة “دولة المؤسسات” ثم مواصلة تفعيل أدوارها ودعم التواصل بينها ،وهو ما يتحقق من خلال خطوات تدريجية وعلى مسارات متعددة فى ظل تخطيــط استراتيجي بعيد المدى .

فى إطاره أدى “المجلس الاستشاري للدولة” دورا بارزا فى إحدى المراحل المهمة.

بعده تم تكوين “مجلس الشورى” ليمثل تطويرا منطقيا  وفقا للنهج العماني الذي يعكس مزيجا من تطبيق مبادئ الشورى الإسلامية ، من جهة ، وصيغ الديمقراطية المعاصرة من جانب آخر .

ثم شهد عام 1996 انجازا تاريخيا حينمـا أصدر السلطان قابوس النظام الأساسي للدولة الذي يمثل “تقنينا مكتوبا” لكــل المبادئ والأعراف السائدة في المجتمع .

وفقا لأحكامه أصبحت السلطنة تطبق نظام المجلسين وهما الدولة والشـــورى ومنهما معا يتكون مجلس عمان، ولاستكمال دولة المؤسسات تم إنشاء المجالس البلدية .

كما يوجه السلطان قابوس دائما بعقد لقاءات مشتركة بين مجالس الوزراء والدولة والشورى .

إن الهدف النهائي من كل هذه الجهود هو تفعيل ممارسة نهج الشورى كاختيار لا رجعة عنه فى ظل الحرص على إقامة حياة ديموقراطية حقيقية وجادة لا تستهدف الأغراض الدعائية ، إنما تتواصل تطبيقاتها فى إطار التمسك بكفالة كافة حقوق الإنسان والحرص على تحقيق العدالة والمساواة ، وإعلاء مبدأ سيادة القانون وأن الجميع أمامه سواسية .

كل تلك مفردات وأهداف متسقة مع بعضها تجمعها مظلة رؤية إستراتيجية بعيدة المدى تعتبر “الإنسان العمانى ” هو هدف التنمية وصانعها على خلفية الاهتمام العميق بتفعيل مفاهيم “الشراكة الوطنية ” في إطار تطبيقات متعـــددة تضمن تطور صيغ ممارسة الشورى والمشاركة عبر مراحل متدرجة وفقـــا لتخطيط استراتيجي لا يستبق الأحداث ولا يفتعل النتائج أو يتعسف حدوثها ، إنما يعمل على تعظيم دور المواطنة والمواطن في إثراء ما يمكن تسميته “بمسيــرة التنمية السياسية” ، ويتوافق ذلك مع الطبيعة الإنسانية للشخصية العمانية التي تتميز بالهدوء.

على ضوء ذلك يرى المحللون السياسيون أن الممارسة في السلطنة اتخذت مسارا متفردا ، فقد حرصت على أن تتجنب تماما النقل الحرفي للتجارب المستوردة من الخارج ، إنما عملت على تعميق نهج الشورى وفقا للخصوصية العمانية .

لذلك طبقت  آليات ومسميات ومسارات تتوافق مع العادات والتقاليد والقيـــم والأعراف السائدة في السلطنة ، وتعبر بصدق عن التراث الحضاري وعـــن “الهوية العمانية ” المستقلة .

نتيجة لكل ذلك يؤكد المحللون على خصوصية المنهج العمانــــي وقدرته الفائقة على الجمع ما بين كل عناصر الأصالة والمعاصرة .

لقد تجلت كل هذه الحقائق فى الجلسة المشركة لمجلسي الشورى والدولة

التعليقات