كتاب 11

12:03 مساءً EET

عن التطرف

التطرف فى جانب من جوانبه هو أن تنكر وتتنكر للواقع من حولك، وهو الواقع الذى صنعته الناس عبر عصور طويلة. وذلك من أجل أن يتحقق لهم واقع مغاير من صنعك أنت، واقع لا يعرفون شيئا محددا عن ملامحه أو قواعد الحياة فيه.

وإذا كان كل المفكرين الإصلاحيين فى كل مراحل التاريخ يعملون على تغيير الواقع من حولهم إلى ما يرونه الأنفع والأفضل والأكثر خيرا وعدلا، غير أنهم فى سبيل ذلك لا يدينون المجتمع ككل بل أجزاء منه، بمعنى أنهم يعملون على زيادة مساحة الخير فيه وتقليل مساحة الشر إلى حده الأدنى الذى يمكن الوصول إليه. أى أنهم يلقون بالمزيد من الأضواء على مناطق الخير فى العقل والنفس البشرية وفى البيئة المحيطة، وذلك من أجل إقناع الناس بالحرص عليها والابتعاد عما يفسدها من أفكار خاطئة أو سلوك ضار. هكذا نرى أنهم لا يدينون الواقع بأكمله ولا يطلبون اقتلاعه من جذوره، بل يعملون على تقويته وتنقيته بالحذف والإضافة وبالإحلال والتبديل ليزداد قوة وتماسكا وخيرا وعدلا.

 

أما المتطرف الأرضى أو السماوى، فتركيبته النفسية تجعله يرى الواقع بأكمله شرا مطلقا لابد من القضاء عليه من أجل إقامة واقع مثالى جديد يخلو من الشر ولا ينضح إلا بالخير حيث يكتسب الناس فيه سمات ملائكية. وبالتجربة وبخبرة التاريخ، سنرى أن المتطرف عندما ينجح فى مسعاه، فهو ينجح فقط فى تحويل المجتمع ليس إلى جنة على الأرض بل إلى قطعة ملتهبة من الجحيم.

 

ولكل زعيم من زعماء التطرف أدواته الفكرية التى يعمل بها على حشد الناس لتحقيق الهدف المنشود وهو الخير المطلق أو العدل المطلق أو العظمة المطلقة، كما كان الحال فى حكومة الرايخ الثالث فى ألمانيا النازية. سيتربع الزعيم على عرش قلبك ويستولى على عقلك بأفكار ساحرة جميلة، ومنها.. أنت أعظم مواطن على وجه الأرض.. أنت تنتمى لأعظم جنس عرفه التاريخ.. تنتمى لأعظم أمة.. هيا اتبعنى لكى نثبت ذلك كله للعالم.. سنثبت للعالم أن ألمانيا فوق الجميع.. هكذا مشت الأفكار النازية فى طريقها لتصنع حربا مروعة يقتل فيها عشرات الملايين وينتهى الأمر بأن تدوس أحذية الجنود من العالم كله الأرض الألمانية، وتنقسم البلاد إلى قسمين وتفقد سيادتها على أرضها لأكثر من نصف قرن.

 

وهنا نصل إلى فهم أخطر عنصر فى التركيبة النفسية للمتطرف، القلق الهستيرى، هو عاجز عن الشعور بالطمأنينة، عاجز عن الشعور بالرضا، وبذلك تكون رغبته فى القضاء على الواقع مصدرها خوفه منه وشعوره بغربته عنه وعجزه عن التوافق معه والاشتراك فى صنعه. هو يشعر بألم دائم المفعول، لا شىء على الأرض سيخفف من ألمه أو شعوره بالقلق، لقد بدأ السير فى طريق لا نهاية له.

 

هكذا تجد الجماعة الثورية المتطرفة نفسها فى جانب والعالم كله فى الجانب الآخر، من المستحيل على صاحب الأفكار الأرضية أو السماوية المتطرفة أن يكون على علاقة طيبة بالآخرين، من الممكن أن يتحالف مع أطراف أخرى، ولكن ذلك يحدث فقط بهدف العدوان على طرف ثالث.

التعليقات