كتاب 11

12:35 مساءً EET

برليوز.. أخبار اليوم.. والجارديان

كان مسيو برليوز، أستاذى فى الليسيه فرانسيه، يأتى إلى المدرسة كل صباح بدراجته البخارية، ويدخل الفصل حاملا خوذته التى كان يحرص عليها، يضعها باهتمام على مكتبه، ثم يناقشنا فى كثير من القضايا والموضوعات التى لا نجدها فى الكتاب المقرر، وعندما ننبهه لذلك، يطرح الأسئلة عن جدوى منهج الوزارة المترجم إلى الفرنسية، ومدى فائدته فى الحياة وتنمية العقل، وكان أحيانا يرفض تدريس فصول كاملة منه.

رغم إعجابى بنظام مسيو برليوز والتزامه، بدأت أشعر بالعداء تجاهه، لأننى اعتبرت ملاحظاته نوعا من التشكيك والاستهانة بمصر، وذات مرة اعترضت حديثه واعتبرته إهانة لبلدى، وصل الأمر لمديرة المدرسة، وكانت سيدة فرنسية هادئة، استدعتنى لتسمع ردى على شكوى مسيو برليوز من معارضتى لأسلوبه فى التدريس ورفضى للثقافة الفرنسية!

 

انتهى الأمر بسلام وتفاهم، لكن الموقف كله ظل محفوظا فى رأسى أفكر فيه من كل الجوانب، فأنا لم أستطع أن أكره مسيو برليوز، وكنت أحترمه فى أعماقى، وربما كانت غيرتى على بلدى هى السبب فى هذا التعارض، فقد أدركت بعد سنوات أن آراء أستاذى كانت صائبة، وملاحظاته فى محلها، لكننى خلطت حينذاك بين النقد و«سمعة مصر».

 

وفى رأيى أن هذا الخلط لم يكن يخصنى وحدى، فقد اكتشفت أنه سمة عامة، يمارسها أغلبية الشعب والنخبة أيضا، بحيث يتحول نقد تصريحات أى مسؤول أو سلوكه «إساءة لسمعة مصر»، فإذا تحدث شخص مخلص عن القمامة فى الشوارع، أو الرشوة، أو الفساد، أو انتقد مشروع القناة الجديدة، أو صندوق تحيا مصر، فكأنه انتقد مصر وهاجمها وأساء إليها، وربما نتهمه بخيانة الوطن.

 

■ ■ ■

 

أعجبتنى فكرة عودة «أخبار اليوم» للعمل الريادى، فأنا ابنة هذه المؤسسة الرائدة التى أحمل لها الكثير من الحب والتقدير، فقد نجحت المؤسسة فى تنظيم مؤتمر «مصر.. طريق المستقبل» لتقدم نموذجا لدور الإعلام فى التفاعل مع الحكومة ومواجهتها بمسؤولياتها وتحدياتها، لكن هذه الخطوة الجادة تحتاج إلى مزيد من الخطوات على نفس الطريق (طريق التفاعل) مع باقى قطاعات المجتمع، نريد مؤتمرات للعلماء، والمتخصصين، ومؤتمرات لأصحاب الأفكار والاختراعات، ومؤتمرات للشباب والفنون والآداب والرياضة، ومؤتمرات للمرأة والطفل.. إلخ.

 

وقد شعرت بالغيرة والغبطة عندما تابعت أخبار «مهرجان العقول» الذى تنظمه مؤسسة الجارديان البريطانية يوم الأحد 12 أكتوبر المقبل، وهو مؤتمر شعبى حاشد اقترحته جريدة «ذى أوبزرفر» التى تصدر عن المؤسسة كل أحد، وفتحت باب المشاركة لأى مواطن يدفع ثمن التذكرة كدليل على جديته، ويهدف المهرجان لتنشيط العقول بأفكار مبتكرة عملية لتحويل سلبيات المجتمع إلى سلوك إيجابى يخدم المستقبل، أعلنت الجريدة عن أسماء الضيوف وهم علماء فى مختلف المجالات، وموسيقيين، وطهاة، ومخترعين شباب.. تخصصات مختلفة وأعمار متباينة يلتقون فى نقاش مفتوح، فقد يكون لدى طالب ذكى ما يضيفه لأطروحة عالم فلك، وربما تضيف ربة منزل معلومة عن نكهة الفانيليا تعيد الرواج لصناعة الحلوى فى بريطانيا.

 

وهكذا تتواصل الأجيال وتتكامل الأفكار وتشعر الشعوب بأنها شريك فى تنمية بلادها، وهذا لن يحدث فقط إذا حبسنا مصر داخل القاعات المغلقة، والمؤتمرات الرسمية الخاضعة لتعليمات الأمن وقواعد البروتوكول، والتى تشعرك بأننا مازلنا نعيش عصر كهنة المعبد.

 

أيها الساسة، أيها الإعلاميون، ياعقل هذا البلد وقيادته: إذ كنتم تريدون لهذا البلد خيرا، فلابد من تشييد الجسور بين النخبة الحاكمة والشعب، كفانا أسوارا.

التعليقات