آراء حرة

07:02 صباحًا EET

إخاء شعراوى يكتب: رسالة لـ «يسرى فودة»: غيابك لن يكون أبدا «أخر كلام» والشامتون سيصبحون «نسيا منسيا»

هذا هو آخر أسبوع من “آخر كلام”. فخور بتجربتي مع فريقي و مع قناة “أون تي في”، و انتهاء عقدي لهذا العام فرصة كنت أنتظرها لالتقاط الأنفاس بعد أصعب السنوات و أجملها في مشوارنا الصحفي في أجواء عامة ضاغطة .. سأكتب المزيد قريباً.

كتبها الإعلامى يسرى فودة على صفحته الشخصية بموقع التواصل الإجتماعى تويتر ليعلن خبرا حزينا على كل متابعيه ومحبيه ، لم يكن يتوقع هؤلاء أن الإعلام المصرى فى لحظة يتم تفريغه من المبدعين ، إعتبر خندق الثورة بالكامل أن خروج يسرى من المشهد الإعلامى فى الوقت الحالى نكسة ونكبة حقيقية للإعلام المصرى بل للثورة المصرية بأثرها ، لم يعد أمام المشاهد إلا مجموعة من الأراجوزات الذين تسببوا فى فساد الذوق العام وأججوا الفتن فى المجتمع المصرى ، بل أن منهم من تسبب فى أزمات سياسية ودبلوماسية لمصر مع دول شقيقة وغير شقيقة أيضا ، وللأسف عادوا للشاشات مره أخرى فى حين أن الإعلام المهنى بدأ يختفى من الصورة تماما ، فبعد خروج الإعلامية ريم ماجد ومن بعدها دينا عبدالرحمن ثم الإعلامى الساخر باسم يوسف من الساحة الإعلامية ، لم يتبقى لنا سوى يسرى فودة لنشاهده ونتابع مهنيته وثقافته.

أخيرا لحق يسرى بمن سبقوه وأصبحت الساحة الإعلامية خاوية من أصحاب الفكر والرأى والموضوعية ، ليحتل المضللون شاشات الفضائيات وتصبح الساحة خاوية من أى باحث عن الحقيقة مطالبا بتأسيس دولة ديمقراطية حديثة أساسها الشفافية والحرية والعدل ، نعم ما يقدمه فودة هو إرثاء لمبادئ الإعلام البناء.

وبغض النظر عن أى محاولات من البعض لتشويه تاريخ يسرى فودة وإتهامات له من الأغبياء بالعمالة للخارج وغيرها من الإتهامات “الباطلة” ، نعم باطلة ، فأبسط ما يؤكد ذلك هو مواقف القوات المسلحة المصرية مع الإعلامى يسرى فودة منذ أن طلب اللواء إسماعيل عتمان عضو المجلس العسكرى من فودة وعلى الهواء مباشرة مع الإعلامية ريم ماجد فى إحدى حلقاتها أن يعود للشاشة بعد أن أعلن توقفه فجأة وقال عتمان فى مداخلته  “عُد يا يسرى.. نحن فى حاجة إليك” ، فما كان من الإعلامى الخلوق إلا أن عاد مره أخرى بعد أن كشف تفاصيل ما دار بالكامل وسبب إتخاذه قرار بالتوقف ، فكتب يسرى مقالا فى قمة الإحترام والمهنية والذكاء بعنوان “قبل أن يكون حقا أخر كلام” ردا على التساؤلات التى دارت حول أسباب توقفه ، كان ذلك المقال درسا منه فى فن الكتابة بالنسبة لى بل أنه كان درسا فى الشفافية لمن هم أبعد تفكيرا منى.

وبعد الحادث الأليم الذى تعرض له الإعلامى الخلوق قامت القوات المسلحة المصرية أيضا بإرسال المتحدث العسكرى لزيارته بصفة رسمية وليست ودية ، كما قام السيسى وزير الدفاع حينها بتخصيص طائرة إسعاف عسكرية لنقل فودة من مستشفى الغردقة إلى القاهرة ، وهو موقف يحسب للقوات المسلحة المصرية ويعبر عن مدى تقديرها لهذا الشخص ، حتى فى حالات الإختلاف فى الرأى وهى كثيرة بينهم إلا أن رجال القوات المسلحة يقدرون فودة ويحترموه ، كل هذه الشواهد تؤكد لمن يعى الأمور أن يسرى فودة شخص لا غبار عليه ، كنت أحد متابعى يسرى فودة بصفة مستمرة ، كان أول من تحدث عن المؤسسات الإعلامية الخارجية وذكر أسماء مواقع وقنوات وصحف وكشف عن تمويلاتها ومن ورائها وأهدافها ، ليفاجئنى بعده بفترة طويلة الرئيس فى لقائه مع الإعلاميين بحديثه عن نفس المؤسسات الإعلامية بأسمائها ، إن دل هذا فيدل على دور الإعلام المهنى فى البحث عن الحقيقة ، كما أنه عندما ناقش تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش العالمية عن فض إعتصامى ربعة والنهضة أبرز جميع العيوب وكشف التدليس والتزوير وغيرها مما يثبت عدم حيادية التقرير ، فى حين أن إعلاميينا الأخرين لم يمارسوا للرد على هذا التقرير إلا السباب فى التقرير وأصحابه ، لكنهم لم يمارسوا دور الإعلام الحقيقى ، هذا هو الفرق ، أذكر ليسرى فودة أنه عندما فتح ملف قناة السويس الجديدة قدم حلقة أكثر من رائعة وبمهنية وحياد تام كشف خلالها كل المغالطات التى روج لها الإخوان وتابعيهم مبتعدا عن فن التطبيل الذى مارسه آخرين ممن يطلق عليهم إعلاميين فى بلدنا فقط ، فلا يوجد فى أى دولة فى العالم إعلام بالشكل الذى نراه هنا فى مصر.

تعلمت مما يقدمه يسرى فودة أن الإعلام قواعد ومهنية وثقافة يسبقهما الضمير ، أما عن الحياد فمن الممكن أن يخرج من حيز الحسبة وهذا أبغض الحلال بل أعتبره واجب على الفرد ، هناك إعلام محايد ولكنه لا يجب أن يكون حياديا طوال الوقت ، فالظروف تفرض أحيانا ألا تكون محايدا ، خاصة أن الإعلامى المحايد لم يعد موجودا الأن على الشاشة.

لم أتمكن من أن يمر خروج يسرى فودة من الساحة الإعلامية مرورا عاديا ، فهو أمر بالنسبة لى وللكثير إنتكاسة كبيرة ، لن يعوض خروجه شخصا أخر ، إنه حالة متفردة ، ولذلك قررت أن أكتب هذا المقال ردا على الشامتين فى قرار فودة بقرار إبتعاده عن الساحة الإعلامية وأكثرهم من أبناء مهنته الذين حقدوا عليه لعدم قدرتهم على التوقف عليه ، فهذه لحظة تاريخية بالفعل ، لحظة خروج أخر الإعلاميين الفاعلين فى صفوف الثورة المصرية والعاملين بقواعد الإعلام المهنى المستقل.

لم أسعى من خلال هذا المقال أن أسعى للدفاع عن يسرى فودة وتاريخه ، بل هدفى  محبيه فقط ، أردت أن ألقى الضوء على نقاط لا يمكن أن يغفلها حتى كارهى الإعلامى الخلوق ، حتى علاقاته بأهم وأكبر مؤسسات الدولة والأكثرها تمتعا بالمصداقية لدى الشعب وهى القوات المسلحة كانت علاقة مودة وتقدير وإحترام حتى فى أعنف لحظات الإختلاف.

وبحكم عملى أعلم الكثير مما تعرض له الإعلامى المقاتل يسرى فودة ليس فقط من حملات التشويه ، لكنه تعرض أيضا لحملات من بعض رجال الأعمال وملاك الوكالات الإعلانية والقنوات الخاصة سعوا خلالها لمحاصرته إعلانيا وإبعاد الشركات المعلنة والرعاة عن برنامجه مقابل ضغوط وتهديدات ورشاوى وغيرها من الأساليب الغير شريفة ، لكنه واجه كل ذلك وقدم إعلاما هادف بمعنى الكلمة ، إنه الإعلام كما ينبغى أن يكون ، لم نراه يوما يخرج عن النص ، لم نسمع منه أى بذائات أو سباب لأى شخص حتى أشد كارهيه والذين وجهوا له إهانات بالغة يحاسب عليها القانون ، كان دائما يتجاوز عن الدخول فى مهاترات مع هؤلاء الأقزام ، سعى فودة للعمل فقط وسخر نفسه للبحث عن الحقيقة.

فى النهاية أوجه التحية والإحترام للإعلامى يسرى فودة على ما قدمه بمشواره منذ البداية ، وأثق أنه سيظل باقيا خالدا بما قدمه للإعلام بعكس غيره من الإعلاميين الذين لن يشفع لهم إستمرارهم على الشاشات بنفس أساليبهم ، فهؤلاء سيصبحون نسيا منسيا ولن يذكرهم أحد فى المستقبل ، وننتظر تنفيذ وعده لمحبيه بكتابة المزيد قريبا ، وأتمنى أن نجد من يسير على نهجه ويتبع مدرسته الإعلامية المتفردة.

أمنيتى الأخيرة ألا تفاجئنا الإعلامية الراقية ليليان داوود بالإنسحاب من الساحة الإعلامية فى وقت قريب حتى لا نظن سوء أن ما يحدث فى الإعلام شيئا منظما وهدفه إبعاد كل صاحب رأى ورؤية.

.. إنتهى

[email protected]

التعليقات